القصص و الروايات story

حفلة تنكر

احصائيات سريعة
البحث

جديد مواد مع عشوائي
كيف اعلن ماهو او ماهي طريقة الاعلانات في الموقع فوق و اسفل الصفحات ؟ كل التفاصيل من الاعلانات داخل الصفحات يوجد شرح لها برابط الاتصال بنا

حفلة تنكر
يعود بعد غيبة طالت عمرا. صبية كبر سنهم وشباب تدلت لحاهم، وكهول تقوست ظهورهم.

إنه مشهد مألوف في رحى الأيام الدائرة بلا توقف. تطوي بدورانها عمر الدهر، فعمر الإنسان. ليست الوجوه هي نفسها التي ألفها. هوالآخر سقم جسمه وابيض شعر رأسه، وتجعدت أسارير وجهه. عملت فيه رحى الأيام ما عملت فيهم تغيرت كثيرا من الأشياء فيه.

نبرات صوته وحدها لا زالت كعهدي به قوية وثقته بنفسه لا تزال أيضا. كيف لا؟ وهوالذي حارب الاستعمار وكافح فلوله من أجل الوطن. لقاءي به كان بعد عشرين سنة مضت. في أحياء المدينة العتيقة تربينا بكلماته ونصائحه وحكمه.

إنه السي امحمد صاحب ( اسطانكو) السجائر كما كان يحلوللبعض أن يسميه. أتذكر همساته وشطحات كلامه. فأظل أنصت إليه حين وقوفي قرب باب دكانه، أرقب حركة المارين أيام عاشوراء. كان يردد على سمعي مرارا:

أراها ضائعة وهم وراءها يلهثون.

فأسأله مازحا : (شكون هي هاد الغزالة) فيقول لي:

وكأنه يصحح صيغة سؤالي قل : ما هي السي يوسف؟ إنها الدنيا، أراهم يعطونها أكثر مما تستحق، فرغم قذارتها فالكل يحاول أن يظفر بها.

في حفل التنكر هذا كل شيء مباح. عض وافتراس. أظل أنصت إليه وأنا أتكئ على باب دكانه. تمتلئ الدكاكين هذه الأيام بلعب عاشوراء، تكون حركة الناس فيها ليست كباقي الأيام (التباخير) الراقصة في فضاء الحي و(التعاريج) المصففة أمام أبواب الحوانيت. تؤثث المكان.

كنا ندرك من خلال كل ذلك أن هذه الأيام، أيام عاشوراء. كانت الإيقاعات المنبعثة من بين الأزقة والدروب توحي بأن هذه أيام ليست كغيرها. كنت أفضل سماع الدف دون نقره. وأن أحملق في اللعب دون أن المسها. يرفع السي امحمد من صوته حتى أسمعه. بصمات نقر الإيقاع لا زالت مندسة بين شقوق جدران الحي الرطبة. كان كلما وقف صباح كل يوم بباب دكانه وهويهم بفتحه أحييه، فيمسك بيدي ويظل كذلك وهويذكرني بما فات من أيامه وبمغامراته، حلوها ومرها. فيحكي عن أحواله وأحوال عائلته.

أنصت إليه باهتمام زائد وأرد عليه المرة تلوى الأخرى بإيماءة من رأسي. يحدثني فأرجع بذاكرتي، بعمري عشرين سنة ولت.

أتذكر أن دكانه هذا كان مكانا للقائي به. جالسته تلميذا فطالبا ثم موظفا. كنت أخطئ كم من مرة، حين أحاول مفاتحته في موضوع ما، فيحرك سبابته واضعا إياها على فمه. فكنت أفهم من خلال حركته هذه أنه يجب علي الآن أن أسكت. اعتدت على ذلك، إنه موعد نشرة الأخبار المسائية. كنت أرى فيه شهامة وعزة النفس. تبخر كل شيء بمرور الأيام والأعوام. الكثيرون هنا في حفل التنكر هذا من أيام عاشوراء، غيروا هوياتهم، وضعوا على وجوههم أقنعة مستعارة، تشبه وجوه الخنازير والكلاب والقطط. يسترخون بأبدانهم وبطونهم المتدلية على سراويلهم الضيقة. اجتمعوا يغنون ويرقصون. أما شبيه السي امحمد فقد انزوى وحيدا، يفرقع أصابع يديه في زاوية تحت الدرج.. يضعون فيها نفاياتهم وما فاض عن حاجاتهم. اختار المكان أوفرضوه عليه لا يهم ذلك. المهم أن يكون حاضرا بينهم في حفل التنكر هذا.

كانت مهمة شبيه السي امحمد أن يحضر كل ما يحتاجونه للحفل، من أكل وشراب وكم كان يحب أن يحرص على نقل الأشياء، ثم إحضارها بأمانة. ورغم ذلك ها هم الآن يهملونه. تركوه مع نفاياتهم يحرس ما زاد عن حاجاتهم. جلس متأملا.. يشاهد رقصاتهم وقبلات العاشقين وسخافات التائهين، في ممر الزمن المزدحم بالتناقضات. بدأ وهومندس في زاويته يردد ما جادت به قريحته. في وحدته وخلوته كان يؤنس نفسه. يردد فقرات من قصيدته التي انتهى من كتابتها أخيرا. والقصة التي لا زال يبحث لها عن عنوان. بدأت تخرج الكلمات من فمه. تصف حفل التنكر هذا، كانت كلمات بلا صوت. اعتمد في إلقائها على تحريك شفتيه أوربما تهيأ له ذلك. قد يكون صوته بَحَّ من كثرة كلام هذا اليوم. ففي هذه المناسبة لابد له أن يتكلم. أن يقول ويفعل كل شيء. لكي يسمع غيره. أحس بأن كل شيء يتحرك أمامه، دون صوت. بدأ يصيح بأعلى صوته. الجميع غارق في رقص ماجن. يرى ضحكات لكنه لا يسمع أصواتها، يشاهد رقصات لكنه لا يدرك إيقاعها. تحرك من الزاوية تحت الدرج. اندفع نحوساحة الرقص. بدأ يرقص ويغني. يتحرك من مكان لآخر يلامس بمؤخرته مؤخرات الراقصات، أخلوا له المكان، تركوه وحده..

ينظرون إليه، يبتسمون له، يضحكون ويصفقون. لكنه لا يسمع شيئا. وقف وقد توسطهم، يتأملهم. يمسح المكان بعينيه. الكل يحدجه بنظراته. هويرى حركاتهم ولا يسمع أصواتها. يستمر تصفيقهم لكنه لا يسمع شيئا. تيقن أنه أصبح أصم. كيف…؟ متى…؟ لماذا…؟

أسئلة طرحها عليهم، على الجميع. بحركات وبدون صوت.

حفلة تنكر

أضف في موقعك:
قصص مشابهه :
أعيــاد بلا فرحـة ...2 أعيــاد بلا فرحـة ...2
الجــــــــــــزء الثــــــــــــاني .. توجه وراء الضابط باستسلام .....
(مرات المشاهدة: 121 مرات)
وردية وردية
لم أر من خلال الظلام الدامس إلا بياض عينيه المشعتين بضوء خاطف، بينما تغتال أذ...
(مرات المشاهدة: 81 مرات)
  رحله فتيات الى امريكا رحله فتيات الى امريكا
@ رحله فتيات الى امريكا @ في يوم من أيام الدراسه التعيسه كنت جايه المدرسه ...
(مرات المشاهدة: 398 مرات)
الحكاية الثانية: الغَمر الحكاية الثانية: الغَمر
الساعةُ تُشيرُ الى الصفر. شمسٌ ورديةٌ تسترقُ النظرَ من وراءِ الأفق، وترنو الى...
(مرات المشاهدة: 78 مرات)
تلك القدس … ذلك السبت تلك القدس … ذلك السبت
الوجه الجميل والبناية لو قص محمد العبد الله عليكم ما كان رآه لقلتم: لعله الز...
(مرات المشاهدة: 145 مرات)
  مواقف واقعية طريفة مواقف واقعية طريفة
ولا الضالين موقف ما راح انساه كنت داخل مسجد وقت المغرب ومتأخر والامام يقرا...
(مرات المشاهدة: 481 مرات)
أيام الخميس أيام الخميس
أقبل الليل، بعتمته وسكونه، أقبل بثقله وهمومه. الآن يبدأ السمر، صحيح أنه مرّ إ...
(مرات المشاهدة: 106 مرات)
ديَّان ديَّان
في عالم آخر…غريب وبعيد، كان هناك حي لا يكف عن الصراخ، عقوده القديمة مشيّدة بت...
(مرات المشاهدة: 77 مرات)
وكـان أن تحدّت قلبــاً .. أن يعشـق ! ... وكـان أن تحدّت قلبــاً .. أن يعشـق ! ...
00 وكـان أن تحدّت قلبــاً .. أن يعشـق ! [ 1 ] \ طاولـة خشبيـة من ...
(مرات المشاهدة: 112 مرات)
 التحقير من اي شخص قد يأتى بنتائج عكسية التحقير من اي شخص قد يأتى بنتائج عكسية
دخلت للصلاة في يوم وكنت متأخر فلم الحق بالجماعة الاولي ووجدت جماعة ثانيه في ا...
(مرات المشاهدة: 182 مرات)
جميع الحقوق محفوظة :Copyright © All rights reserved