القصص و الروايات story

سنلتقي بعد دهر ... 6 - القصص القصيرة , القصص و الروايات story

اعمال السعودية ينتهي في 8\10\1429 هـ روح القصيد ينتهي في 3\11\1429 هـ  ينتهي في20\10\1429 هـ
الحمادين ينتهي في 8\10\1429 هـ جريمة هزت مدينة الرياض ينتهي في 3\11\1429 هـ الجيل الجديد لخدمات الانترنت 8-8-1429
للاعلان بالموقع سعر الاعلان 400 ريال في كافة اقسام موقع مدرسة المشاغبين جويا نتهي في 20\10\1429 هـ للاعلان بالموقع سعر الاعلان 400 ريال في كافة اقسام موقع مدرسة المشاغبين
للاعلان بالموقع سعر الاعلان 400 ريال في كافة اقسام موقع مدرسة المشاغبين منتديات دلوعتي ينتهي في 16\11\1429 هـ للاعلان بالموقع سعر الاعلان 400 ريال في كافة اقسام موقع مدرسة المشاغبين
احصائيات سريعة
البحث في المواد

جديد مواد مع عشوائي
كيف اعلن ماهو او ماهي طريقة الاعلانات في الموقع فوق و اسفل الصفحات ؟ كل التفاصيل من الاعلانات داخل الصفحات يوجد شرح لها برابط الاتصال بنا

رواية سنلتقي بعد دهر ... 6
_6_


( المطر يهطل )



/



.



.



انطلقت بنا هديل بعد أن نطقت بوعد لأظن بأنها ستستطيع الإيفاء به . !


هذا الشعور كان يساورنا جميعاً ،


و نحن نراقبُ أشعة الشمس المتوهجة حتى تعبت من ملاحقتنا فـ برد وهجها و ابتعدت إلى الغرب


لتغادرنا هي الأخرى كما غادرنا الأمن و السلام و الكرامة . .


تصدرتنا هديل بالمسير ، تجابه ذلك الفضاء الواسع . .


و يديها متعلقتين بأسفل الخيمتين تقبض عليه بقوة حتى لا تفلتان من بين يديها . .


رغم أنني مازلت أحمل عليها في قلبي ، لصراخها في وجه أمي و استقبالها الرائع لنا . !!


إلا أنني لم أستطع لومها بعدما غادر أبها و تركهم لتعبث بهم الرياح كيف تشاء . .


التقطت نفساً ساخراً من هذه الدنيا . !


فكل الرجال سواء أن أكرمتهم خذلوك و أن تجاهلتهم لحقوا بكِ ،


و هكذا دواليك . !


أدرت بصري حول السماء النارية و قرصها المتوهج يلقي رمقه الأخير . .


ستكون جميلة جداً أن كنت في وضع يختلف عن هذا . .


سيكون جابر حينها يتأمل في السماء و يسرد فلسفته


عن كيفية تكون الضوء أو عن جمال هذه السماء . !


بينما سيكون والدي يداعب أخي محمد و يضحك على أي نكتة يلقيها أحد الصغار


رغم أنه قد سمعها للمرة المليون . !


لكن حالي و ما ألت إليه . .


على هامش الحياة ، بقلبٍ يتلو التعازي على نفسه لأنه ينتظر أن تحل فاجعةً ما . !


يحاول أن يهيئ نفسه ليرتشف الألم وهو متلذذ به . !


أسير معهم . ،


و قلبي يهيئ نفسه لموت أحدنا أو ضياعنا أو أن ينزل جيش من السماء ليلتقطنا ،


و نصبح أسراه يلهو بنا كيف يشاء . !


كنت انتظر تلك اللحظة فقط . .


أخطو بعقلي الشارد الذي يدور حول فلك


( كيف سيخلي ذاكرته ممن يحبهم و يرتب أموره مع وضعه الجديد ) . .


- هناء , أتريدين أن تشربي ماءً . ؟


جرت لحظة حتى انتبه عقلي إليها و توقف عن التفكير . .


ثم تناولتها منها و رشفة عدة رشفات متتابعة و بصرها لا يزال يراقبني . !


انتهيتُ ثم ناولتها لها و قلت مبررة و أنا أزيل عن فمي قطرات الماء . :


- ربما تكون هذه المرة الأخيرة التي أرشف بها ماء صافي . .


وجهتْ نظرة استعجاب إليّ ثم ناولت الماء إلى أحمد . .


رشفه هو الآخر حتى أنهاه عن بكرة أبيه . .


ثم أعادها إلى ريناد . .


أطلت بها ريناد بعينين جاحظتين و قالت . :


- ما هذا . . لقد أنهيتها . !


رد أحمد وهو يمسح قطرات العرق الملتصقة بجبينه . :


- أنني متعب . . أننا نسير في هذه الخلاء لمدة ساعة و لم يظهر لنا أي شيء . !


ردت بغضب . :


- كلنا متعبون . . و لكن هذا لا يعني أن تشرب حتى ينتهي الماء . !


توقفت ريناد عن السير و ملامح الغضب تجعد وجهها . .


توقفت هديل فتوقفنا جميعنا ،


التفت هديل إلينا بوجه كـ لون الليمون الأصفر و شفتين جافتين و قالت . :


- ماذا هناك . ! ؟


جالت ببصرها علينا على بسمة الصابرة و أحمد المتعب و ريناد الغاضبة و أنا اليائسة . .


أنزلت بصرها إلى آمال التي بلغ بها التعب حتى امتنعت عن الحديث و أكتفت بهمسات متعبة . .


أنزلت هديل طرفها فأنزلناه معها . .


اقتربت من آمال ثم جلست بجانبها بعجز و قالت هي تحاول البحث بعينيها عن قدر ألم آمال . :


- هل أنتِ بخير . ؟


كيف تحسين . ؟


كانت تحادثها و كأنها في عالم آخر . . و كأنها ليست في وسط العراء . ! . :


- سنصل للطبيب لا تقلقي . .


لا أعلم أن كانت هديل تهذي أو في عقلها . .


إلا أن حالها لم يكن طبيعياً و قد تناقلت العيون نظرات القلق ثم وجهتها إلى هديل . .


عادت هديل إلى وضعيتها السابقة و شحذت قواها لرفع البساط لكن قواها خارت ،


استدارات إلينا بابتسامة تهتز بتعب . .


انعكس ضوءٌ على وجوهنا . .


التفتنا إلى مصدر الضوء و مصدر سماع صوت تكسر الصخور الصغيرة تحت عجلات السيارة . .


أشعت أضواء سيارة على أعيننا فأعمتنا عن رؤية صاحبها . .


أغمضتُ عيني بشدة لأحميها من هذا الضوء الساطع . .


توقفت السيارة ثم ترجل منها شخصان هبّا إلينا بسرعة . !


بينما ظهرت خلفهما سيدة بطرف حجابها المرفرف تركض إلينا . .


وصل الرجلان إلينا بأنفاس لاهثة و هما ينظران بفزع إلى آمال . .


اتضحت ملامح تلك السيدة تحت أشعة الشمس الآفلة . .


كانت خالتي " والدة آمال "


ابتسمتُ أخيراً ابتسامة لامعة بين هذه الظلمة . .


هرعتْ إلى آمال ثم جلست بجانبها . .


- هل أنتِ بخير . ؟


أومأت آمال بضعف بأنها بخير . .


ألقيت نظره على هديل حتى أرى وجهها وهو يستنير بابتسامة . .


تفاجئت بمظهرها . !


تعدا ( الشابين و خالتي ) هديل ، وهي مازالت ساكنه سكون الأشباح . .


ابعد أحد الشابين هديل حتى يرفع البساط و يذهب بآمال إلى السيارة . .


التفت هديل بعينين منفرجتين و فم جامد و وجهها قد توشح باللون الأصفر . .


شخص بصري عليها ، كانت شبحاً بحق . !


لم تحرك ساكناً بل كانت تراقب بـ عقل لا يستوعب الكثير . .


حمل الشابين آمال و اتجها بها إلى السيارة بينما لحقت خالتي بهما


فتحت الباب ثم ساعدتهما في وضع آمال في السيارة . .


عادت إلينا مهرولة و يمشي خلفها أحد الشابين و بيده علبة ماء بها سائل لم استطع تمييز لونه بسبب طغيان لون الشفق الأحمر . .


توقفت خالتي و قالت لنا من بين أنفاسها اللاهثة ، أثناء وصول الشاب إلينا . :


- معه بعض الوقود سـ يفي بإيصال السيارة إلى المدينة . .


التقطت نفساً ثم نادت وهي تلتفت إلى موقع هديل . :


- هديل . . هديـــل . .


التفتنا إلى موقعها السابق فوجدنها قد غادرته جاريةً إلى تلك السيارة . .



|||



بحثت عنهم في حجرهم فلم أجد أحداً في الطابق العلوي . .


اتجهت إلى الدرج علّ أذني تعملان و تلتقطان أي صوت خافت


أو حتى تشعر بـ وشوشة بسيطة حولي و لا أن أغرق في هذا الصمت . .


أغمضت عيني بألم محاولة بيأس التخلص من ذلك المشهد المحروق على جبين ذاكرتي . .


نزلت من الدرج و بحثتُ عنهم معتمدةً على بصري ،


الحمدلله ، على الأقل ما زلت أُبصر . .


حاولت نطق عبارة عل أن يسمعها أحد و حاولت ضبط صوتي


عن طريق إحساسي باهتزاز حبالي الصوتية . .


أُرخ صمتي بتاريخ آخر حرب خاضها الملكان . .

ألتزمني شجاعة بالغة لمحاولة فعل ذلك و فُتح فمي للحديث بعد أن أغلق لمدة عشرين عام . .

فتحت فمي لأتحدث ،


شعرت بنقرة على كتفي أغلقت فمي تارةً أخرى . .


استدرت إلى صاحبـ/ـة النقرة ، كانت منيرة تبتسم بشكل يثير عجبي . .


قالت شيء ما لم تلتقطه أذنايّ و لم أستطع فك رموزه لسرعتها في الحديث . !


حينما رأت علامات الجهل بما تقوله ترتسم على وجهي


أشارت إلى الصالة الداخلية المتوارية خلف حاجز ما . .


ثم رسمت جهاز تلفاز و صنعت وهم مشاهدته . .


هززتُ رأسي بالفهم . .


ثم توجهت إلى الصالة . .


ظهرت لي ظهورهم و وجههم المتسمرة على جهاز التلفاز . .


كانوا متحلقين حوله و الخوف قد لعب في قسمات وجوههم . .


ألقيت نظرة على ما يشاهدونه . .


و لم أستطع تحمل رؤية ما حصل لي . . يتكرر أمام عينيّ . .



/



.



.


أراحتها على الأريكة و هي تخبر أبناء خالتها الابتعاد عنها . .


استندت ركبتيها على الأرض و تعلق بصرها بـ هبة . .


حالتها الصحية أصبحت هشة ، و ازداد فقدانها لوعيها هذه الأيام . .


و ودعتها شهية منذ فترة ليست بقصيرة . !


جلبت أمها الماء البارد و منشفة صغيرة . .


قامت رهام عن الأرض لتفسح لأمها مجالاً للجلوس . .


قالت بينما تغرق أمها المنشفة في الماء البارد و تعصرها لتخرج الماء منها . :


- أمي . . ما بها هبة . ؟ ، لماذا يغشى عليها إذا رأت شيئا ينتمي للحرب . ؟


وضعت والدتها المنشفة على جبهة فتاتها المتعبة و هي تناضل دمعة لتبقيها في محجرها . .


و لتحاول نسيان تلك الليلة السوداء التي يتهربون من ذكرها جميعاً ، خاصةً أن هبة فقدت سمعها في تلك الليلة . !


التقطت المنشفة المبللة من يد والدتها المرتجفة . .


زفرت ما كدّر صدرها لتجدد الهواء الراكد ، حلت محل والدتها و أخذت تغرق المنشفة و تعصرها ثم تضعها على جبهة هبة ، وهي تراقب تقاسيمها الجامدة . .


أطفئت والدتها التلفاز بعد أن شاهدت الدمار الذي حل بالعاصمة . .


و الذكريات ترتد إليها تنهش قلبها ،


كانوا في تلك الليلة يغادرون منزلهم القاطن في العاصمة . .


عادت إليها صورة المنزل . .


زجاجه الذي قد تكسر رغم محاولات الأكياس البلاستيكية التشبث بإطار النافذة عن طريق الشريط اللاصق . .


التقطوا ما خف وزنه و غلا ثمنه سواء كان مادياً أو عملياً ،


ركبوا السيارة و انطلقوا إلى البحر ليصعدوا على آخر سفينة تغادر هذه الجزيرة المنكوبة . .


أوقفوا السيارة بجانب البحر ، و أشاروا للسفينة المنطلقة أن تنتظر للحظات


حتى يصعدوا على قارب صغير يوصلهم إليه . .


نزلوا و أصوات صفارات إنذار الحرب تصم أذانهم ، اتجهوا بسرعة إلى القارب الوحيد . .


رغم أن الليل في أشد حلكته إلا أن نيران الصواريخ التي تلحق بالمدنيين البريئين


تفتك بهم و تحيطهم و تنير سمائهم بنيران مختلطة برماد . .


صعد الجميع على القارب عدا الطفلة هبة المرعوبة . .


أشار لها والدها بالإسراع و اللحاق بهم . .


جرت إليهم بسرعة و جفنيها يضمان محجريهما بقوة . .


لم تكن ترى ما أمامها . .


تعثرت بشيء ما و كان أخرى ما سمعته صوت انفجاره . .


انفجر اللغم تحت قدميها الصغيرتين ، هبّ والدها إليها


و حملها بين يديه بملابسها الممزقة و جلدها المحترق و وجهها المتضرر . .


لم تكن تلك الفتاة التي بين يديه فتاته أبداً . .



|||



صحا من غفوته وهو يبتهل إلى الله أن يكون هذا كابوساً مزعجاً . .


رفع رأسه ليستكشف المكان الذي يجلس به . .


ظن أنه في سيارة تركي ، كاد يشك في صحة ظنه


لولا أنه رأى الخرائط و مستلزمات الرحلات في المقعدين الخلفيين . .


نفض رأسه حتى ينثر الكابوس بعيداً عنه . .


رأى تركي يحادث بعض الأشخاص ذوي زي الحربي ،


كانوا كما يبدو يصرخون عليه و هم يشيرون إلى قصر الشاطئ الكبير العائد لأسرة تركي . .


ترجل من السيارة ليرى ما الخطب . ؟ !


أثار عجبه السيارات العسكرية المصطفة في مواقف القصر الشاطئي . !


وصل إلى تركي و أرخى أذنه ليسمع ما يقولون . .


كان أحد الضباط يصرخ عليه و يقول . :


- هذا ملكٌ للدولة تم التنازل عنه من قبل صاحبه ، و أن كنت تعارض هذا الشيء أنضم إلينا !!


ثم لا أرى أنك مريض ، هل هربت من الجيش و أنت تدعي المرض . !


تجهمت وجههم بشكل مخيف . .


تراجع تركي بجبن إلى السيارة فـ لحق به عبد الله ،


أغلق الباب ثم انطلق بالسيارة و سارا على الطريق . .


قال تركي بصوت مسئول . :


_ أحسن الله عزائك . .


فغر عبد الله فاه متفاجئاً وهو يستعيد ذكريات ذاك الصباح الرمادي . !


أضاف تركي . :


- سنتجه إلى كوخي الصغير ، لا أظن أنهم نالوه . .


فتح جهازه الإلكتروني ليرى موقع الكوخ على الخارطة الإلكتروني . .


بحث عنه و بحث ، لكنه لم يجده . !


ألتفت بوجه مرعوب إلى عبد الله و قال . :


- هل تعرف أين ذلك الكوخ . ! ؟


لم ينبس ببنت شفة بل اكتفى بطرح أمطار ملحية من غيمتين سوداوين تحدقان فيما خلف ذلك الزجاج . .



|||



حل المساء و سحبت الشمس آخر خيوطها . .


وصلت السيارة ذات الحوض الخارجي إلى المستشفى . .


ترجلت هديل من مقعد السيارة منطلقةً بأقصى سرعتها إلى المستشفى


تستدعي طاقم تمريض أو أي أحد لجلب سرير لـ آمال . .


ترجل مُحسن من السيارة و أشار إلى أخيه ذو الأربعة عشر عاماً ،


أن يقود سيارة هؤلاء النسوة إلى منزله خاصةً بعد أن أصبح منزلهم الكبير ملجأ لمنكوبيّ العاصمة . .


ربما لحسن حظ هذه العائلة أنه كان يقوم بنقل الوقود ليملأ به سيارة أخيه المركونة بجانب المنزل . .


استطاع بلمحة أن يعرف بأن تلك الفتاة التي جلست بجانبه ،


لم تنم نومً هنيئاً منذ أيام و لم تضع في فمها طعاماً منذ مدة طويلة . .


كانت شاردة الذهن طوال الوقت و تفرك الجزء الظاهر من عصبةٍ لُف بها رأسها . .


أُحضر السرير و سارع الطاقم بجلبه ، ليقلوا به الفتاة الحامل إلى داخل المستشفى . .


دخل الجميع بينما بقي هو ،


بقى يتأمل ذلك البناء الذي حفظ حجراته و حفظ مرضاه المداومين على زيارته كما حفظوه . .


كان يود أن يصبح طبيباً بدلاً من أن يكون مريضاً بلا حول و لا قوة . !


لكن شاء الله . !


دخل وهو مقتنع بأن هذه هي إرادة الله . .


اتجه إلى قسم النساء و الولادة ليرى ما الذي حصل معهم . .


كانت والدة الفتاة الحامل قد دلفت مع ابنتها إلى حجرة الولادة


بينما بقت الفتاة المتعبة تنتظر على كراسي الانتظار . .


تسند وجهها الليموني إلى يدها الواهنة . .


و يسقط رأسها بين حين و آخر غافياً ثم تستيقظ بسرعة تلتفت يميناً و شمالاً ،


دون أن تنتبه لجلوسه أمام الكرسي المقابل لها . .


شعر بالشفقة عليها و ودّ لو ارتاحت قليلاً ،


أسقطت رأسها أخيراً لتغفو دون مقاومة . .


عم السكون و لم يجد شيئاً ليقطع به هذا السكون ،


فكر عما تفعله والدته الآن و من المؤكد أنها تحكي لهم


عن قصة حصولهم على هذا القصر و بكل فخر . .


قطع تفكيره سماعه لصياح طفل ،


ابتسم ابتسامة واسعة فرحة ( فالحياة مستمرة رغم أنفها ). .


انتبه إلى الفتاة التي استيقظت على صياح الطفل ،


أدارت بصرها حول المكان بلا استيعاب توقف بصرها لولهة عليه ثم على حجرة الولادة . .


قامت على أمشاط أقدامها مسرعةً إلى باب الحجرة . .


ظهرت والدتها وهي تحمل الطفل قائلةً بفرح لأبنتها . :


- إنه صبي . ! إنه عبد السلام . !


ابتسمت الفتاة بفرح متعب ثم قالت وهي تداعب الوليد بأنملة أصبعها . :


- كيف حال آمال . ؟


- إنها بخير و الحمد لله ، لكنها ستبيت الليلة هنا . .


سكتت الأم للحظة تأملت بها وجه ابنتها ثم أضافت . :


- اذهبي إلى المنزل لترتاحي و سألحق بكِ غداً . .


ابتسمت هديل بسخرية و قالت . :


- أي منزل تتحدثين عنه . ؟


هبّ محسن إليهما و قال متدخلاً . :


- منزلي ، يمكنكم المبيت فيه كما أن أفراد عائلتكم المتبقية قد ذهبت إلى هناك . .


هزت هديل برأسها نافيةً تلك الفكرة . .


و قالت . :


- لن أذهب إلى هناك . !


ردت والدتها . :


- لكن يجب أن . .


قطع حديثهم خروج الممرضة التي تناولت عبد السلام من يديّ أم هديل و قالت . :


- إنه يحتاج لبعض الفحوصات . .


ألتفتت إلى أم هديل ثم أضافت . :


- أبنتك تحتاج إليكِ . .


دخلت والدتها و تركتها مع ذلك الشاب الغريب عنها . .


قال لها مستفسراً . :


- هل نذهب . ؟


تجاهلت هديل سؤاله و اكتفت بالجلوس على كراسي الانتظار مغمضةً عينيها تنشد الراحة . .


جلس على الكرسي المقابل لها يتأمل ملامحها المجهدة . .


اقترب منها و قال . :


- عذراً . .


فتحت عينيها بصعوبة و قالت . :


- نعم . !


أشار بيده إلى إحدى الممرات . :


- توجد هناك حجرة للمرافقين يمكنكِ أن ترتاحي بداخلها . .


قامت وهي تحاول صلب جسمها ، تبعت خطواته حتى دخلت الحجرة التي أشار عليها . .


قالت قبل أن تقفل الباب خلفها . :


- أخبر والدتي بأني أرتاح هنا . !


أغلقت الباب ثم قفلته قبل إجابته . .


أرخت حجابها ثم نامت على السرير دون أن تعير انتباهاً لما يوجد بداخل الحجرة . .



/



.



.


استيقظتُ و رأسي مستند إلى زجاج نافذة سيارة . .


ألتفتُ حولي بعينين تجتهدان لرفع أجفانهما ،


كانت أمي بجانبي و تتليها آمال المتعبة و طفل صغير . !


بدأت مقتطفات من الليلة الماضية تظهر ،


استذكرت طرقُ الباب و استيقاظي بسرعة و ركوبي السيارة بلا وعي ،


و وقوعي في النوم مرةً أخرى ..



توقفنا عند منزل كبير أشبه بقصر قديم . .


ترجل السائق من السيارة قائلاً بابتسامة . :


- تفضلوا . .


ترجلت من السيارة و أنا أتأمل مظهر المنزل . .


ولجنا إلى منزله أو أن صح التعبير ملجأه . .


كان المنزل مليئاً بالأطفال الذين تهافتوا لتحيته مادين أيديهم إليه . .


وزع عليهم الحلوى طفلاً طفلاً بابتسامة واسعة . .


أتت إحدى السيدات و بيدها ملعقة غرف الطعام و قالت . :


- نسي فريد إحضار الطماطم . . هلّا اشتريته من الدكان . ؟


أومئ برأسه موافقاً و قال . :


- حسناً . .


تبعته والدتي وهي تسند آمال إليها . .


توقفنا لدى باب فتحه بعد طرقه ،


ظهرت لنا حجرة كبيرة الحجم ، جلسوا بها خالتي و أبنائها و بسمة و أختها و أحمد . .


قال مبتسماً بعد أن ترك أكرة الباب . :


- اتخذوا هذا المنزل كـ منزلكم . .


وجه حديثه لأحمد قائلاً . :


- أحمد . . يمكنك أن تبيت معي و مع أخي ،


قال قبل أن يغادر . :


- عن أذنكم سأذهب لشراء الطماطم . .


خرج بعد أن أرسل ابتسامة واسعة إلينا . .


قام الجميع من فوق السرير الوحيد ، استلقت آمال عيه و تمدد عبد السلام بجانبها


بقبضته الصغيرة المتمسكة بأصبعها الذي يبدو ضخماً مقارنةً بيده الصغيرة . .


تسللت أحاسيس رائعة إلى صدري ، و كأن الحياة قد بدأت من جديد . .


عبث هذا المشهد في وجوهنا فصنع ابتسامة مرتاحة هانئة غابت عنا ،


و تحلقنا حول ذلك الضيف الجديد . .


.


.


ضرب الجرس الذي فاجأنا و أثار استعجابنا


و وصل إلى مسامعنا صوت سيدة تصرخ و تقول . :


- وقت الغداء . . الغــداء . . طعام . . طعام


خرج الجميع بينما بقيت أداعب عبد السلام بجانب آمال . .


دخلت السيدة بعد طرقها للباب و قالت مبتسمة بسماحة . :


- عزيزتي ، لقد حان وقت الغداء ، تعالي شاركينا في قاعة الطعام . .


وضعت حافظة طعام بجانب سرير آمال و علب معدنية و قالت . :


- هذا غدائها . . و هذه العلب بها أدوية شعبية لفترة ما بعد الولادة ، ستفيدها بإذن الله . .


ابتسمت بحنان وهي تمس أرنبة أنف عبد السلام النائم و قالت . :


- هل سميتموه . ؟


قلت و أنا أضعه بجانب آمال النائمة . :


- عبد السلام . .


علقت قائلة . :


- اسم جميل . .


نهضتْ و سرتُ معها إلى قاعة الطعام ،


مررنا خلال ما قطعناه بعدة أزقة تغص بالأبواب المطلة على الحجر . .


كان ذلك المنزل قصراً بحق . !


أصغيت إلى ما تقوله تعليقاً على استعجابي من عدد الغرف . :


- لقد كان هذا القصر للملك ، الملك السابق و ليس أحد ابنيّه . .


توارثته عائلتنا حتى وصل إلينا . .


الجناح الذي تبيتون فيه هو الجناح الخاص بالملك سابقاً لذا لا ترين به الحجر متراصة


بل واسعة ، و كما ترين كل هذه الأزقة امتلأت بالناس المتشردين أبناء هذه الحرب . .


سألتها بعد أن ولجنا إلى قاعة الطعام التي تبدو بحجم صالة طعام لقاعة أفراح . :


- جميعهم من العاصمة . ؟


قالت بينما كنت أدير بصري على الأطفال الصغار و المصابين الذي يتناولون الطعام


و كأنهم لم يتناولوا طعام قط . !


- من العاصمة و من المدينة السهلية . .


- المدينة السهلية . ! ؟


ثم أضافت موضحة . :


- ألم تري الأخبار . ؟ ،


تعرضوا بالأمس للقصف بالنيران و قد ورد بالأخبار أن جيوش الأعداء قد اقتحمت العاصمة . !


قلبت نظري بين هؤلاء الضحايا و المنكوبين و يدي تمسك بصحن الطعام . .


وصل دوري غرفت لي أحد السيدات الأرز و وضعت لي أخرى المرق و اللحم . .


أشارت لي والدتي إلى مكانها ،
جلست على الأرض بجانبها و أنا أحاول مضغ الطعام دون الشعور بالمرارة



كلما رأيت هؤلاء الضحايا . .


جرفت حبات الأرز الصغيرة لصحن محمد ، ابتسمت لي خالتي شاكرة . .


ابتسمت بسخرية و عيني تحيط بالشخوص ،


المبكي حقاً أننا نخوض الحرب طمعاً في النفوذ و السلام الأبديين . ! وهذا ما نناله . !



بعد انتهاء الجميع من الغداء رفع كل شخص صحنه الفارغ أو الأشبه بالملحوس


ليضعه فوق طاولة مخصصة لذلك . .


ذهبوا الفتيات لرفع بساط الغداء بينما ذهبت السيدات لغسل الأطباق . .


أعنتهم في العمل حتى انتهينا منه . .


كانت القاعة ممتلئة بالنساء اللاتي ذهبن إلى حجرهن


و لم يبقى إلا النزر القليل ممن يقوم بتبادل الأحاديث و الأخبار و التوقعات إلخ . .


دخل أحمد ومعه محسن و أخوه . .


توجه أحمد إليّ بينما ذهب محسن و أخوه إلى والدتهما . .


وضع أحمد مفتاح على يدي ، سألته . :


- هذا مفتاح لـ . ؟


ابتسم وقال . :


- لـ سيارتكِ أنسيتِ . !


توجهت إلى جناح المحتوي على حجرتنا سألته بينما نسير في الطريق


و يدي تلعب بالمفتاح و ترميه من يد إلى أخرى . :


- و لِم هو معك . ! ؟


- ليعلمني فريد قيادة السيارة . .


توقفت لولهة ثم استدرتُ إليه . :


- فريد . !


أومئ رأسه بحماس قائلاً . :


- نعم . . فرغم أنه أصغر مني بسنة إلا أنه يستطيع قيادة السيارة بطريقة محترفة . .


تابعت سيري إلى الحجرة و أنا أفكر في صغر سن فريد . !


فـ لو كان في العاصمة لما أستطاع أن يقود دراجة . ! من شدة الزحام . !



.


.


حزمتُ حقائبنا لمغادرة هذا المكان بعد أن لبثنا فيه عدة أيام ، حتى تعافت آمال قليلاً . .


وضعت آخر حقيبة بداخل السيارة و أغلقت بابها الخلفي . .


أتاني فريد و بيده كيس أسود . .


ناولني إياه قال مبتسماً . :


- هذا لحم طازج ذبح للتو هديةً منا . .


تناولته منه على استحياء و قلت . :


- نحن من يجب أن نشكركم على سعة صدركم . .


ركبتُ السيارة و أغلقت الباب بعد أن تأكدت من ركوب الجميع . .


لوحت لهم بابتسامة أمل تحاول المحافظة على شمعتها المشتعلة تحت المطر . .


خرجنا إلى الطريق و أيديهم تشيعنا مودعة . .


و من يدري فقد لا نراهم مرةً أخرى أبداً . !


سرت على الطريق الطويل المؤدي إلى منزلنا الصغير . .


ذلك المنزل الذي أختاره حسام بعناية مراعياً خصوصيتنا و قربة من موارد الحياة . .


كان موقعه مميزاً لمن يريد أن يرتاح و يبتعد عن ضوضاء المدينة


و يتمتع بصوت هدير البحر الساحر . .


و رغم سعره المرتفع إلا أن أبي دفع مبلغاً كبيراً من المال


لأجل ابنه الوحيد الذي جلبته امرأته التي أحبها ،


صعقتني هذه الحقيقة . ! حينما أدركتها . .


لم أعي دوماً السبب الذي كان أبي يفضل حسام علينا إلا بعد أن سمعت دعاء أمي له ليلة الأمس . .


أصغيت إلى بكائها الممزوج بعدة كلمات ثلاثةٌ منها فقط هي من صعقتني . .


و التي كانت . :


( ربي أنت تعلم أن حسام ليس قطعة مني و لم يكن ابني . . لكنه عبدك الضعيف اليتيم . . )


عند سمعت تلك الكلمات أدركت عندها تفسيراً لكثير من الكلمات الملغمة


و فهمت الكثير و الكثير من المواقف كما يجب . .


ابتسمت بسخرية . :


عش يوماً ترى عجباً . !


أرجأت تأكدي من هذه المصيبة لصباح الغد أن كتبت لي الحياة . .


قطع تفكيري مرور الكثير من السيارات العسكرية و دخولها منطقة للقصور الشاطئية الخاصة . !


توقف بصري على منارات تلك القصور . .


يبدو أنها أضحت مُلكً للدولة . ! ، أرجو أن لا يلحق هذا بمنزلنا . !


سرت على طول الطريق إلى أن وصلت إلى منعطف منزلنا . .


سرت عدة كيلو مترات لم تظهر خلالها أي سيارة عسكرية ، ساهم ذلك في تهدئة روعي قليلاً . .


أوقفت السيارة بجوار المنزل و أنا ابتسم بسعادة


فـ طالما كان هذا المنزل بمثابة جنة الله في أرضه بالنسبة لي . .


ترجلت من السيارة و عيني تتابع أطياف الذكريات السعيدة . .


هنا كنت ألعب و هناك على ذلك الشاطئ بنيت أقبح قصر رملي . .


ضحكت في سري حينما تذكرت تعليقاتهم عليه و بكائي لذلك . .


ابتسمت بسعادة غامره و أنا استنشق نفساً عميقاً عبق بعبير البحر . .


غمر البحر جزء من قدمي ،


غمرها و كأن الأيام لم تمر و لم أُصبح على هذه الحالة . .


مازال مائه بارداً يروي القلوب بالسحر و يغذي الجروح ملحاً يحييها و يشفيها . .


ذو وجهين جميلين . . رغم كل شيء . .


عدتُ إليهم ، كانوا يضعون الحقائب بالأرض و جزء منهم يقف عند الباب بانتظاري . .


هرولت إليهم فقد نسيت فتح الباب . .


وصلت إليهم بنفس لاهث و قلت معتذرةً . :


- آسفة نسيت نفسي . .


و بدلاً من بحث مطول عن المفتاح في سترتي أو بالأصح سترة حسام . .


بحثت عن المفتاح بجانب الأحجار ، وجدته تحت أحد الأحجار . .


فتحت الباب و أنا أحاول تفسير العبث الموجود على الرمل المجانب للأحجار


و آثار أصابع آدمية . !



ألقيت نظره متفحصة على المنزل ، لا يبدو أن هناك شيء تبدل أو وضع في غير مكانه . .


كان كما كان قبل خمس سنوات . .


صعدت بسرعة إلى حجرتي ،


استقبلتني تلك الفراشات الصغيرة الجميلة التي صنعتها بيدي هاتين بينما علقها حسام على السقف . .


ابتسمت لسيل الذكريات و يديّ تقلب الفراشات بين أصابعها . .


و كم ثار عجبي حينما وجدتُ إحداها مجعدة مشوهة بطريقة بشعة . !


العبث بالرمال . !


آثار الأصابع . !


الفراشة المشوه . !



أيعقل أن يكون أبي قد مر من هنا . !!

قصة سنلتقي بعد دهر ... 6

أضف في موقعك:
قصص مشابهه :
وريـقـاتـ مـمـزقــهـ ... وريـقـاتـ مـمـزقــهـ ...
"وريـقـااتـ مـمـزقــهـ.." الحياه مليئه بالاشياء الجميله الرائعه والسيئه ول...
(مرات المشاهدة: 119 مرات)
شموع ميرهـ ... 8 شموع ميرهـ ... 8
الجزء الــــ(8)ــثامن .. والأخيـــــر ! . . أغلـــق المحقــق ملـــف الت...
(مرات المشاهدة: 110 مرات)
شموع ميرهـ ...7 شموع ميرهـ ...7
الجزء الــــ(7)ــسـابع .. . . بومحمد : عادي خلهم يسوون امون وانا عندي ...
(مرات المشاهدة: 103 مرات)
شموع ميرهـ ... 6 شموع ميرهـ ... 6
الجزء الــــ(6)ــسـادس .. . . شمسة رمست : احمد ميرة عرســـت .. فج احم...
(مرات المشاهدة: 120 مرات)
الكاتب والأطياف الكاتب والأطياف
أحبّ الوحدة ولطالما أحبّها، غاص بالفوضى ولطالما غرق بها ،كره الضجة ولطالما كر...
(مرات المشاهدة: 91 مرات)
أعيــاد بلا فرحـة ... أعيــاد بلا فرحـة ...
بسم الله الرحمن الرحيم °•˘●،،’’₪][ أعيـــــــــاد بلا ف...
(مرات المشاهدة: 161 مرات)
مجرورة إليه في محل رفع فاعل مجرورة إليه في محل رفع فاعل
أنا لا اعرف الفعل من الفاعل!!! كم عانيت من هذه المشكلة. ولا أفقه في فنِ الإعر...
(مرات المشاهدة: 133 مرات)
يا طيب القلب حكم قلبك الطيب ... 3 يا طيب القلب حكم قلبك الطيب ... 3
يوم الاثنين الساعة 9 الصبح ابو حمدان : يلا يابوي تاخرنا عقب راحو المطار و...
(مرات المشاهدة: 193 مرات)
أجهـــــلك ... 4 أجهـــــلك ... 4
اجهلك -4- ام يزن : ايمان راحوا البنات ؟ ايمان : توه الجرس يرن , اظنه جا...
(مرات المشاهدة: 151 مرات)
تلك القدس … ذلك السبت تلك القدس … ذلك السبت
الوجه الجميل والبناية لو قص محمد العبد الله عليكم ما كان رآه لقلتم: لعله الز...
(مرات المشاهدة: 162 مرات)
جميع الحقوق في هذا الموقع محفوظة وكل المواد على الاقسام ملك لاصحابها :Copyright © All rights reserved