القصص و الروايات story

سنلتقي بعد دهر ...4

توبيكات رمضان | رسايل رمضان | ثيمات رمضان | طبخات رمضانية | توبيكات رمضانية | صور عن رمضان | دعاء رمضان
احصائيات سريعة
البحث في المواد

جديد مواد مع عشوائي
كيف اعلن ماهو او ماهي طريقة الاعلانات في الموقع فوق و اسفل الصفحات ؟ كل التفاصيل من الاعلانات داخل الصفحات يوجد شرح لها برابط الاتصال بنا

سنلتقي بعد دهر ...4
_ 4 _
( كابوس )



صوت أزيز المنشار زاد من عدم ارتياحي و قلقي . .
أخذت أتأمل في الجبيرة و هي تجزر من وسطها ، و كأن ساقي تجزر بدلاً عنها . .
ظللت أحملق في المنشار خوفاً من أن يجز لحمي . .
توقف صوت المنشار عن الأزيز . . ارتحتُ قليلاً . .
ثم عادت دوامة الهلع تبتلعني . . حينما احضروا مقصاً كبيراً ليقصوا رجلي . .
أقصد القطن المحيط لقدمي . .
ابتسمت الممرضة و هي ترى قسمات وجهي الخائفة . .
- يمكنك الآن تحريكها . .
ما أن قالت الممرضة هذا . . حتى بدأت بتحسس قدمي بفرح . .
فقد أصبحتْ حرة أخيراً بعد أن كانت تحمل على عتقها جبيرة صلبة ثقيلة . .
حركتها بصعوبة طفيفة . .
تحسست ساقي و أخذت أدلكها . .
ابتسمت الممرضة بعمق و قالت . :
- حاولي الوقوف عليها . .
ارتفع حاجبي و ابتسمت شفاهي ببهجة . :
- أحقاً يمكنني الوقوف عليها . !
ابتسمتْ بلطف . :
- بالطبع . .
تنحيت عن السرير بسلاسة ثم حاولت الوقوف و يديّ متشبثة بحواجز السرير . .
حركت قدمي على الأمام و الخلف بسعادة . . شعرت و كأني ولدتُ من جديد . .
فيمكنني الآن العودة للدراسة في الجامعة و التخلص من تلك الأريكة الكئيبة . .
ألتفت إلى الممرضة لأشكرها . .
فوجدتُ بصرها شارد يحدق في آمال المتعبة و المسترخية على إحدى الكراسي . .
فقلت لأوضح . :
- أصرت أختي على القدوم معي . .
ابتسمت لها . . أدارت بصرها إلي لبرهة ثم عادت به إليها و قالت . :
- تبدو في الشهور الأخيرة . .
اتجهت إلى السرير و جلست عليه حتى ألبس حذائي الآخر القاطن في الكيس . .
و قلت . :
- أنها في الشهر التاسع . . أسبوعان و ستدخل المنطقة الحرجة . .
ابتسمت باضطراب . . لا استطيع تخيل صعوبة الولادة . .
أتت إليّ بغتة و قالت بجدية فاجأتني . :
- يجب أن تتعلمي كيفية الولادة المنزلية . .
- الولادة المنزلية . !
فكرت للحظات بأن أقوم بتوليد آمال . . هذا مستحيل . !
لن أتحمل رؤية الدماء . !
- يجب عليك ذلك . . الأوضاع تزداد خطورة و جدية . .
بهتُ فجأة من جديتها في الموضوع . . ظننت أنها تمزح . !
- ماذا تعنين بأنها تزداد خطورة و جدية . ؟ !
أخذت تجمع القطن و بقايا الجبيرة و تلقي نظرة قلقة على آمال بين الحين و الآخر . .
و هي تقول . :
- لقد بدأ الوزراء و من لهم صلة بالملك بالتحصن في مواقعهم . .
- ماذا تعنين . ! ؟
- كما أن الجيش بدأ بالمناوشة على حدود البلاد مع البلاد الآخر . .
رمت ما بيديها في القمامة و قالت . :
- لدي كتاب عن الأمومة و الطفل . . و الولادة و ما يتليها سأهديه لك . .
ازداد رعبي . . هل الأمر بهذه الجدية و الخطورة . !


|||


لم أتجرأ على الصراخ و طلب العون من أي أحد حولي . .
كنت أحاول فقط سحب يدي من قبضته بضعف واهٍ . .
و صلنا إلى البوابة المنارة بالأضواء . .
كانت الناس قليلون و لم تمتلكني الشجاعة الكافية لأستنجد بهم . .
لمحت من بين غشاوة عيني المائية وجه مألوف معه شخص آخر . .
بدأت الشجاعة تلبسُني . .
صرختُ بقوة . .
لم أعرف بأي شيء تلفظت . .
شعرت بقبضته تحرر يدي بسرعة . .
و رأيت طيفه الأسود يولي هارباً بينما يقترب مني شخصان ضحكاتهما المتبادلة العالية . .
و حديثهم يصل إلى أذني . .
رمشت بجفني حتى اتضحت الرؤية كان أخي عبد الله و شخص ما . .
ابتسمت و أحسستُ ببعض الآمن . .
انطلقت إليه بشوق عارم و احتضنته بقوة و أنا أقول . :
- اشتقتُ لك . .
شعرت بيدي وهو يبعدهما . .
و يبعد رأسي و كأنه في قمة الإحراج . .
ما باله أخي يحرج من أمر كهذا . !
رفعت رأسي لأرى أخي يقف بقربه و عيناه جاحظتان . .
شحب وجهي للحظة . .
ماذا فعلت . !
لقد أخطأت في العنوان . !
لم أشعر إلا بطعم الدم يسري في فمي . .
قال عبد الله ضاحكاً و بشكل أبله . :
- لا بأس كان حادثاً . . accident . . accident . .
ثم أضاف بعد برهة وهو يخرج منديلاً . .
- أن شفتك تنزف . .
ابتعدت قليلاً عنهما . . بصمت و منديل أخي في يده . .
كم هذا محرج . !
كيف سأقابلهما . ؟ !
سمعت عبدالله يقول لمن معه وهو يغير الموضوع . :
- و كنت تقول أنها صورة فتاة، و هي صورة منظر طبيعي . ! يالك من مخادع . !
ضحك صديقه بخفة و كأن شيئاً لم يكن . .
ألتفت إليهما و أنا اقنع نفسي بأن أتصرف بشكل طبيعي و أن أنسى ما حدث . .
و لكي أحرج نفسي أكثر . .
ركزت بصري على عبد الله ثم قلت فجأة . :
- أنا جائعة . !
قال عبد الله لصاحبه وهو يحاوره . :
- ما رأيك أن نتناول العشاء في مكان ما . ؟
بدا على وجه صديقه عدم الموافقة لكنه قال على مضض . :
- لا بأس بذلك . .
تذكرت للحظة أنهما لم يسألني عمن كان معي . ؟ !
و كيف لم ينتبه لي من البداية . !
هذا شيء يثير أعصابي حقاً . !
اتجهنا إلى السيارة . .
ركبتُ بالخلف . .
بينما أدار صديقه المقود و أخي يجلس بجانبه . .
كان واضحاً من تلك الأدوات المبعثرة و الخرائط حولي ، أنهما كانا في رحلة . .
أمسكت بإحدى الخرائط المتهرئة ، فتحتها . .
كانت مثيرة للاشمئزاز . . بخطوطها و ألوانها الباهتة . .
كم أكره الجغرافيا . !
سمعت صوت صاحبه ، يقول بحنق بسيط . :
- لا تعبثي بها . . هلّا أعدتها إلى مكانها . !
أشرت برأسي بنعم . .
و ملامح الاستخفاف تلعب بوجهي ، كيف له أن يخاف على شيء كهذا . !!
طويتها ثم أعدتها إلى مكانها مع باقي الخرائط . .
توقفنا عند مطعم ما ، خرج أخي و صديقه ليبتاعا الطعام و تركاني وحيدة في السيارة . !
فتحت الباب ثم ترجلت من السيارة . .
مازال باب السيارة مفتوحاً و نفسي تراودني في الدخول إلى المطعم أو الجلوس في السيارة . .
ابتسمت بشقاوة و لهو . .
أظن أنه من الأفضل . .
أن أظل في السيارة و أعبث بما بها ماداما ليسا موجودين . .
ركبت السيارة و أغلقت الباب . .
تقدمت برأسي إلى الأمام و أصبحت بين المقعدين الأماميين . .
أخذت أعبث في الأدراج . .
و لم أجد إلا خرائط لا تشبع فضولي . .
وجدت حقيبة أخي . .
أخذتها ثم فتحتها ,. .
أمسكت بملف ما . .
أووه كم هذا مقزز . . مازال يبحث في تلك الحشرات . .
و لم يجد إلا الصراصير لتكون عنوان بحثه . .
كم هذا مقرف . !
أدخلت يدي داخل الحقيبة تحسست صندوقاً زجاجياً و صندوق آخر مستطيل الشكل وأكبر حجماً من الصندوق الأول ..
أخرجت الكبير كان ابيض اللون و في منتصفه زجاج يتيح للفضولي أمثالي معرفة ما به . .
اندلع لساني دون أن اشعر ، وغدت قسمات وجهي كآكل الليمون الحامض . .
أوه . . لا . .
صراصير محنطة . .
أبعدت عيناي عنهم بسرعة . .
اشتدت قسمات وجهي للخلف . .
سأفرغ ما بمعدتي . .
ألم تجد يا أخي حشرات أفضل من هذه . !
ألقيت نظره عليهما . .
فوجدتهما يدفعان الحساب . .
رميت الحقيبة بعنف إلى المقعد الأمامي المجاور للسائق و عدت إلى مقعدي . .
متظاهرةً بالهدوء . .
بينما كنت أرقب حضورهما . .
أحسست بشيء يقفز و يحاول الطيران قرب الزجاج الأمامي . .
و لأن الضوء كان خافتاً . . خمنت بأنها فراشة صغيرة . .
ابتسمت ابتسامة واسعة . .
ما هذا أيعقل أن تكون فراشة . ! ؟
شعرت بها تقترب إليّ . .
اتضح لي أنها صرصور بعدما هبط بين يديّ . .
فتحت الباب بسرعة و أن أصرخ . .
و جلد مقشعر من وقعته عليّ . .
بينما هو يدور طائراً كالأعمى حولي ، يصطدم بباب السيارة و السيارة الأخرى . .
هبط على الأرض . .
عندها استجمعت ما عندي من شجعه و أغمضت عيني . .
ثم دست عليه بكل قوتي . .
بقيت قدمي واقفة عليه . .
تقززت نفسي أكثر بعدما تذكرت أنني ظننته فراشة . .
ياللقرف . !
اقترب مني عبد الله مسرعاً لاهثاً وهو مرعوب من ملامح وجهي المفزوعة . .
سألني عبد الله بعد أن ألتقط نفسه . :
- ما الذي حصل . ؟
كدت أبكي بعدما تذكرت تلك المفاجئة المشئومة . .
اقترب صديقه بعد لحظات و بيده كيس العشاء . . و قال . :
- ما الذي حصل يا جماعة . ؟
رفعت قدمي ببطء و أنا أقول بنفس مشمئزة . .
- لقد ظهر هذا الصرصار الطائر في وجهي . .
أغمضت عيني و أنا أدعك أسفل حذائي بالإسفلت عله يبعد بقايا الصرصار . .
ضحك صديقه و قال . :
- أليس هذا يشبه صوصو . ؟
ضحك أكثر وهو يقول . :
- ألم أقل لك يا عبدو أن أمانيّ تتحقق . ! فهاهو اليوم مقتول و مثلما تمنيت بدهسه من احدهم . .
قلت بحنق . .:
- لست بأحدهم . . اسمي ريناااد . .
فتحت الباب . . ثم ركبت السيارة ثم جلست بروية و أنا أعاين مكاني
و أتأكد من صلاحيته للجلوس . .
ركبا الاثنان . .
ركب صديق عبد الله و ابتسامة انتصار و سرور تعلو محياه . .
وضع الكيس بينهما . .
ركب عبدالله أو عبدو كما ناده صاحبه وهو مكتئب و يهذي . .:
- لقد ربيته منذ صغره . . أردت أن أراه وهو يطير . . و من ثم أضيفه في مجموعتي . .
كنت سأجري عليه الأبحاث . .إلخ .
بينما كان صديقه يضحك بين الحين و الآخر على ما حصل . .
أصممت أذني عما يصدرانه من إزعاج . .
فليست مواجهة الصرصار و لوحدك شيء مضحك . .
و ليس بفقدانه أيضاً شيء محزن . !
أخذت أتأمل في الشوارع التي افتقدها ،
خطر ببالي سؤاله عن كيفية معرفته بمكاني . !
أرخيت أذني لأسمع تذمر عبدالله . .
- هذا هو ثاني صوصو يقتل . . الأول مات خنقاً بإبادة تركي . .
بينما الآخر داست عليه الآنسة ريناد . .
هذا ليس عدلاً أريد أن أحضر طيرانه فكلكما حضرتماه إلا أنا . !
كتمت ضحكتي فأخي يبدو طفلاً صغيراً حينما يفقد شيئاً و تصرفه مغاير لما يفعله الآخرون ،
و ذلك لأن عصبية والده التي طبعت بصمات على جسده مازلت موجودة ، فهو يمقت نفسه
حينما يتصرف بشكل عصبي و لذلك يبقى مرحاً طوال الوقت و يحاول حبس غضبه قدر
استطاعته و يتذمر بدلاً عن ذلك . .

ابتسمت بعطف ، هذا هو أخي الذي أحبه . .

عاد السؤال مرةً أخرى ليتجول في عقلي . .
فآثرت طرحه على التفكير فيه . :
- عبد الله . .
اسند رأسه إلى يده المستندة إلى الباب قائلاً بضجر . :
- نعم . .
- ما الذي . . .
قطع سؤالي رنين هاتفه النقال . .
رفعه و رد على المكالمة . .
- أجل . . أجل . . أخبرتكِ بأنها معي . .
رفع رأسه متنهداً . :
- حسناً . . سنتناول العشاء و نحضرها إليكِ . .
ألتفت إلى العالم المتحرك خلف زجاج النافذة . .
أيعقل أنني أشكل عبئاً على أخي . .
بالطبع . !
فقد قتلت صوصوه المقزز . .
لحظة لست وحدي من قتل صوصوه ، فهناك من أباد صوصوه الأول . !
أوه . . مهما كان لابد أن أعتذر . .
ألتفت إليه . :
- أنا . .
رمشتُ بعيني مرةً أخرى غير مصدقة لما أره ، فتأكدت بأن هاتفه قبالة وجهي مباشرة . .
- تفضلي . . بسمة تريد محادثتك . .
شعرت بفرحة عظيمة و ابتسامة كبيرة ترتسم على شفتيّ . .
كم هذا رائع . !
سحبت الهاتف من بين يديه بقوة . .
- اشتقتُ لكِ كثيراً . . جداً ، جداً ، جداً ، جداً ، جداً ، جداً
سمعتها ضحكتها الرقيقة عبر الأثير . :
- توقفي أرجوك . . لقد أدركت مدى شوقكِ لي . .
- كيف سمحت لكِ المدرسة الداخلية بمحادثتي في هذا الوقت . !
قالت بلطف . :
- كم يلزمكِ من الوقت لتعلمي بأني في الجامعة الآن . . و أنني لست بطفلة صغيرة . .
و أنني أكبر منكِ سناً أيضاً . .
- حسناً . . حسناً . . لقد أدركت ذلك الآن . . لا داعي للعصبية . .
- متى ستصلون إلى العاصمة . ؟
- العاصمة . !
- نعم . . انتقلت إلى هناك لأكمل دراستي . .
- لحظة . .
أغلقت الميكروفون بيدي و قلت لعبد الله بلهجة مؤنبة . :
- ما الذي تفعله بسمة لوحدها في العاصمة . ! ؟
- و ما الذي تفعلينه وحدكِ في الطائرة و أنتِ تحت السن القانونية . !
أخرسني ذلك الأحمق . !
عدت لبسمة و أبعدت يدي عن الميكروفون . .
- كيف علمتم بأني وصلت . ؟
- لقد أتصل علي والدك ينشد عنكِ و يسأل عن حالك . . و أن كنت وصلت أم لا . .
ظهرت ملامح اليأس على محياي ألا يمكنني خداعه و لو لمرة واحدة . !
أنصتُ لما تقوله بسمة حينما قالت . :
- و سيأتي ليعيدك حينما تتحسن الأحوال الجوية لديهم . .
عندما أحست بصمتي قالت بصوت مطمئن . :

- لا تخافي سوء الأحوال الجوية مرتبط بحركة الملاحة فقط . .

و في الحقيقة لم يكن هذا ما ألزمني الصمت . .
فأبي سيأتي ليبعدني عنهم و لن أراهم حتى تنتهي الحرب أو ينتهوا . .
غرقت عيني بقطرات الدموع . .
- ريناد هل أنتِ بخير . ؟
- نعم . . أنا بخير . . وداعاً . .
أغلقت الهاتف و أنا واثقة أن بسمة قد أصابها القلق بسبب صوتي المبحوح . .
ناولته الهاتف . .
و قلت . :
- رجاءاً دعنا نذهب إلى بسمة أولاً . .
- ماذا عن العشاء . ؟
- لا أشتهيه . .
تدخل تركي موجهاً حديثه لعبد الله . .:
- ما رأيك أن نتناول العشاء في السيارة . ؟
أومئ عبدالله بالموافقة . .
ثم وزعنا الشطائر . .







|||



كانت الممرضة تكلمني بوجه جامد . .

- يجب أن ترحلي . . يجب أن ترحلي . ،
أذهبي إلى أي مكان . . أذهبوا بعيداً عن هنا . .
و بدأت تخرج ونين حاد و طويل يشبه صوت الطائرات ثم اختلطت معه أصوات صفارات الإنذار و صوتها العالي يخترق أذني . .
وجدتُ نفسي بعدها أجلس بجانب آمال المتمددة في الشارع و الآلام المخاض ترنو إليها
بينما الدماء تغطي يدي و تغطي ما حولي و النيران و المتفجرات تتفجر من حولنا . .
كنت مرعوبة لا أعرف ماذا أفعل . .
ألتفت حولي أبحث عن مساعدة فوجدت النيران قد منعت خالتي من مساعدتي
بينما حجب الدمار و الحديد المتناثر محاولاتي اليائسة لجذب انتباه أمي
و التي تمشي بهدوء يتضاد مع ذلك الدمار . .
اختفى المشهد فجأة . .
أغمضت عيني ثم فتحتهما . . شعرت بالماء الذي رطب وجهي و شعري و جزء من ملابسي ..
أدرت عيني إلى من حولي . .
كان خالتي تنظر إليّ و بيدها كوب ماء . :
- لا بأس عليكِ يا ابنتي كان كابوساً . .
درت بعيني حولي مرةً أخرى لأرى الأطفال الصغار مستيقظين ما عدا محمد الذي يشتكي من ضعف في السمع . .
أيقنت عندها أنني صرخت بأعلى صوتي و أنني قد أيقظت هؤلاء الأطفال . .
مسحتْ على وجهي بالماء لتعيد إليّ وعيي مرةً أخرى ، و هي تردد . :
- بسم الله . . أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق . .بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض و لا في السماء و هو السميع العليم . .
قربتْ كوب الماء إلى شفتي المرتجفتين . .
أكان كل ذلك حلماً حقاً . !
لا يمكن أن يحدث هذا . .
هببتُ من سرير مسرعةً للبحث عن ذلك الكتاب الذي أعطتني إياه تلك الممرضة . .
أخذت أفتح الأدراج . . بحثاً عنه بينما خالتي تحيطيني بأذكارها . .
لم أجده هناك . .
بحثت عنه مرة أخرى و هلعي يزداد بازدياد كل خفقة يخفقها قلبي . .
وجدته . !
قبضت عليه بقوة . .
يجب علي قراءته الليلة . .
اتجهت إلى سريري وجلست القرفصاء و الكتاب بين يديّ . .
و خالتي تتابعني بعينين مشفقتين على حالي . .
نهضت من سريري و خرجت من الغرفة لأبحث عن مكان يبعدني عن عينيها . .
خرجت إلى الساحة و جلست على الدرج المتدرج من مرتفع مدخل بيتنا الداخلي . .
التهمت الكتاب بنهم الجائع من مقدمته حتى انتصفت فيه . .
تسلل إلى أذني نداء الصلاة . .
" الله أكبر . . الله أكبر . . اشهد أن لا إله إلا الله . . أشهد أن محمداً رسول الله . .
حي على الصلاة . . حي على الصلاة . . حي على الفلاح . . حي على الفلاح . .
الصلاة خير من النوم . . الصلاة خير من النوم . . الله أكبر . . الله أكبر . .
لا إله إلا الله . . "
أغلقت الكتاب و أنا أتنهد باطمئنان . . وكلتُ أمري إلى الله . .
ثم توجهت إلى الداخل لأتوضأ و استعد للصلاة . .


|||
قامت عن فراشها برأس مثقل بالنعاس . .

حاولت فتح عينيها و مقاومة النعاس الذي يغريها للعودة إلى النوم . .
سحبت أقدامها إلى خارج الغرفة . .
و قبل أن تخرج ألقت نظره إلى حاسوبها فرأته على هيأته منذ الأمس . .
الأمس . . هل كان ذلك بالأمس . !
أغلقت الباب خلفها . .
شعرت بأحد ما يقف بعيداً عنها . .
رفعت رأسها بتثاقل و هي ترمش بعينيها لتزيل الأثقال التي تجذبها لإغلاق عينيها . .
و لتحاول أن تعي ما حولها . .
كان سعداً واقفاً هناك ببذلته العسكرية . .
خرج من شفتيها هذا السؤال . :
- أستذهب . ؟
- نعم . !
قالها بجمود . .
أمسكت أذنها اليمنى و أخذت تمرر أنملتها على الصيوان مفكرةً لولهة
ثم استدارت إلى الحمام . .
لحظة . !
أهذا يعني بأنها يمكن أن لا تراه مرةً أخرى . !
ألتفت إليه بسرعة . .
لتجد الرياح تعبث بمكانه الفراغ . .
اتجهت إلى الطابق السفلي تبحث عنه ، يجب عليها أن تودعه على الأقل . .
نزلت الدرجات بسرعة و انطلقت إلى الخارج . .
توقفت بجانب الباب مستندةً إليه بكسل و هي ترقبه وهو يودع والدتها الباكية . .
أرخت رأسها إلى الباب . .
ابتسمت له وهي تكتم دمعتها الآسية حينما رفع رأسه بنظرته الخالية من أي تعبير . .
تركت الباب ثم ذهبت إليه . .
صافحته و ابتسامتها تناضل شفتيها تحاول التشبث بهما . .
وقفت على أمشاط قدميها ثم قبلت رأسه ثم قالت . :
- اعتني بنفسك . .
لم ينبس بشيء . . خرج و نظرة عينيه لم تتغير . .
أغلقت الباب خلفه و هي تشاهد والدتها تنحب و تبكي على ابنها . .
تهاوت ابتسامتها أخيراً و ارتجفت شفتيها بينما عينيها أغرقتا بالدموع . .
- هاي . . ألن تأتوا لتناول الفطور . ؟
نطقتها منيرة بمرح . .
خرجت إلى الخارج و هي تراقب ذلك الموقف الدرامي . .
قالت محاولة إضافة القليل من المرح على الموقف . :
- ألن تكفا عن محاولة تقليد الأفلام الهندية . ؟
ألقت رهام بصرها عليها تحدق فيها بنظرات مؤنبة لم تنسى ما فعلته بالأمس . .
- آآآ . . ما رأيكن لو دخلنا لتناول الفطور . ؟
لم تزل عيني رهام لم تغادرها . .
قالت بارتباك . :
- حسنا . . سأذهب . . لـ غلي . . الماء . .
استدارت عائدةً حتى أوقفها ذلك الصوت . :
- لماذا أتعبتِ نفسك و أنتِ ضيفة في بيتنا . .
ألتفت إلى خالتها و هي تبتسم و نظرات رهام لم تهجر عينيها بعد . :
- هذا . . واجبي . .
ثم دلفت إلى الداخل . .
غادرتا الساحة الصغيرة و دلفتا إلى المنزل . .
ما أن أنهوا فطورهن حتى هّبت منيرة لتنظيف الأطباق . .
و دخلت في محادثة بسيطة معاتبة من خالتها بأنها ضيفة و يجب أن لا تغسل الأطباق معهم . .
ذهبت رهام لتغسل يديها . .
فتحت الصنبور و جعلت يديها تنعم بالماء الدافئ و هي تحدق في مجرى المياه شاردة . .
أتت يد ما و أغلقت الصنبور و لم تنتبه إلى ذلك ،
إلا عندما توقف الماء عن الانسلال بين يديها . .
ألتفت إليها ، ابتسمت هبة في وجهها و أشارت لها . . ( عما تفكرين . ؟ )
قالت رهام وهي تشير إليها . .
- لا شيء . .
أخذت المنشفة لتجفف يديها . . أحست بنقرة هبة على كتفها . .
التفتت إليها . .
أشارت لها هبة . .( ما الشيء الذي وقعت فيه منيرة . ؟ )
ابتسمت رهام و قالت . .
- و ما الذي يجعلك تظنين هذا . ؟
أشارت لها هبة . . ( أنها تتفانى في عرض خدمتها اليوم . . و هي لا تفعل ذلك إلى إذا كانت مخطئة . . )
تابعت رهام الابتسام و هي تقول . :
- و كيف علمتِ ذلك . ؟
أشارت لها . . ( أتذكرين حينما كانت معجبة بإحدى الفتيات . . و كشفتي رسالتها . . و أيضاً عندما فعلت ذلك الشيء. ؟ )
ضحكت رهام بخفة . .
أشارت لها . . و قالت كاذبة بابتسامة مزيفة . :
- هذه الفتاة مليئة بالمشاكل لكنها لم تخطئ هذه المرة . .
ربما تود أن تبيت عندنا أكثر من ليلة ، خاصةً بعد رحيل سعد . .
أشارت لها هبة و هي تبتسم باطمئنان . .
( كم هذا مطمئن لقد خشيت أن تكون قد وقعت في مشاكل مرةً أخرى . . )
عادتا إلى الصالة و هبة تراقب تصرفات منيرة المثيرة للإعجاب . !

|||




تابعا الحديث و المناقشات المملة بالنسبة لـ ريناد و تجاهلوها و كأنها ليست في نفس السيارة . .
كتمت غيضها بقضم قطع كبيرة من الشطيرة اللذيذة . .
و شرب المشروب الغازي الغير مفضل لها بتاتاً . .
استقبلتهم أضواء العاصمة باليمن و الترحاب ،
بينما تراخت أشعة الفجر و استراحت خلف أضواء العاصمة . .
كانت هذه أول مرة تدلج فيها ريناد إلى العاصمة منذ مدة طويلة . .
أخذت تقلب عينيها و تراقب ما حولها بشفتان مزممتان ضجرتين ، و هي تفكر . .
متى سأصل إلى سكن بسمة هل هو بعيد إلى هذه الدرجة . !
لقد طلع الصبح و أنا لم أصل بعد . !
أووه . .
كم هذا متعب . !
كم من الـ ( كم ) هنا في هذه البلاد . !!
لـ ربما لو جلست في منزلي لكان أفضل لي من أن تحدث لي تلك الحوادث . .
فأولاً سرقت محفظتي ،
ثم نسيت أين وضعت بطارية هاتفي النقال ،
ثم ذلك الرجل المقزز ،
و أخيراً ذلك الصرصار الغبي المجنون . !
تنح الآن شعورها بالمغامرة و تسلل شيئاً فشيئاً و احتل موقعه الضجر . .
توقفت السيارة . . حينما ترجل صاحبه من السيارة ،
قال عبد الله وهو يهم بالنزول . :
- سنذهب لنشتري بعض الكتب و الخرائط . . يمكنك المجيء إذا أردتي . .
نزلت ثم أدارت بصرها عما حولها فوجدت نفسها أمام إحدى المكتبات الكبيرة
و أشعة الشمس تحاول غزوها بنورها الساطع . .
ما الذي يفعلانه في الصباح الباكر . !
دلفت إليها و رأت عبد الله و تركي يذهبان إلى ما يريدانه . .
أخذت تقلب نظرها ذات اليمين و ذات الشمال، تعتبر المكتبة شبه فارغة من الناس . .
و لا يوجد ألا هذا الرجل الطاعن في السن و نسوة قليلات تناثرن يبحثن عن غايتهن في القراءة . .
بحثت عن قسم الروايات لترى ما هي آخر الروايات التي نزلت لديهم . .
قرأت عناوين القصص لكن لم تنجح رواية ما في شدها لاقتنائه . .
زفرت بضجر .. وهي تدير عينيها على من حولها . .
رفعت قدمها و جعلت أسفل حذائها على مرمى بصرها . .
لم تجد بقايا واضحة للصرصار . .
أخذت تتنقل بين الأقسام الواحد تلو الآخر حتى تعمقت في المكتبة . .
- ما رأيكِ بهذا . ؟
- لا ليس به ما أريده . .
أرخت أذنها لتسمع تلك المحادثة و صوت الكتب و الأوراق التي تفتح و تغلق . .
- امم . . ماذا عن هذا . ؟
- يبدو مناسب بعض الشيء . .
كانت ترى يديّ الفتاتين و لم تكن تستطيع رؤية وجهيهما
بسبب ذلك الحاجز وتلك الكتب المصفوفة أمامها . .
أغراها الفضول و الفراغ في الاتجاه إليهما و رؤيتهما عن كثب . .
سارت بجانب الحاجز حتى انتهى ثم استدارت لتصعق برؤية شخص ما . .
قالت و السعادة تغمرها . :
- بسمة . !
رفعت بسمة رأسها لهنيهة ألقت نظرة إليها ثم عادت إلى ما تقرأه . .



فجأة تركت الكتاب الذي بين يديها بعد أن أدركت ما رأت . .
هبت إلى ريناد بقلب مفتوح ، التقت الفتاتان و اكتنزت كل منهما الأخرى بين أحضانها ،
دمعتان انحدرتا على خديهما و اختلطت بشعراتٍ شاذة فتندت بتلك الدموع الحارة . .
قالت بسمة بقلب محروق . :
- هل أنتِ بخير . ؟ ، كيف تفعلين هذا بي . ؟
كيف تأتين هكذا دون تخبري أحداً و تجعليننا نقلق عليكِ . .
كانت ريناد تحتضن بسمة بصمت و هي تتذكر لحظات وحدتها و حياتها الفاترة و حيرتها
التي وقعت بها في هذا العمر و لم تجد أم أو أخت تسألها و تثق بها . .
تقدمت هديل و عدة كتب بين يديها . .
- كيف أمست أمسيتك . ؟
خففت ريناد من حدة إمساكها لـ بسمة ثم أبعدت يديها
و هي تزيح دمعة خرجت من عينها بيدها ،
قالت و هي تصافح يد هديل الممدودة بابتسامة . .
- أمسى سعيداً . .
ابتسمت في وجهه ببشاشة و قالت . :
- هذا حسن . .
ألتفت إلى بسمة و قالت . :
- أنا ذاهبة لشراء هذه الكتب . .
تركتهما لتتحدثان ثم اتجهت إلى قسم المحاسبة . .
وضعت الكتب و همت بفتح محفظتها لدفع النقود . .
و سمعت حواراً خلفها لـ شابين و قد أثار هذا استغربها
خاصةً بعد خلو المدينة من الشباب ..
- أرأيت ريناد . ؟
أومئ رفيقه بـ لا . .
- حسنا أنا ذاهب لأبحث عنها . .
بينما استدارت هديل لترى من ذا الذي يعرف ريناد . !
وجدت الشاب يرتب خرائط و أطالس ، و بعض الكتب التي تبدو من غلافها أنها لعالم الأحياء . .
زاد عجبها و كأن ليس هناك ما يدعو للقلق في هذه البلاد . !
لمحت ساعته الباهظة الثمن . .
عندها أدركت أنه أحد الفارين من الالتحاق بالجيش . !
كيف يُسمح لهم بذلك . .
لم تنتبه إلى نظرته المتعجبة بسبب حديثها مع المحاسب . .

|||

نهضنا على صفير صفارة الإنذار المزعجة و المياه مسكوبة فوق رؤوسنا . .
نهضت مشوشاً كباقي كل الأفراد المشاركين لنا في الحجرة . .
بملابسي العسكرية التي لا يمكننا خلعها و استبدالها بملابس النوم . .
هذا ظلم و انتهاك لحقوق الإنسان . !
نزلت من سريري بسرعة و كدت أسقط على جابر الواقف بشموخ ،
رغم تقاطر قطرات الماء من وجهه . .
أديت التحية العسكرية متأخراً بعد أن أداها الجميع . .
كيف لهم أن ينقلونا إلى حجرة كبيرة و يحشدون فيها الكثير من المجندين . .
أعاد صراخ العميد فكري إلى ما يقوله و هو يصول و يجول بيننا . :
- هذه الحرب سنكون المنتصر فيها . . سنحارب بكل أرواحنا و دمائنا لننقذ هذا الوطن و المليك و الأهل . .
ابتسمت بسخرية و كأن هذا المليك ليس هو من حشرنا في هذه الحرب
لأجل طمعه و أخيه على قطعة أرض و نهر وفير الخيرات . .
- هاي أنت . . ألا تسمعني . !
- هاه . .
ضربني بعصاه على كتفي و بقوة . .
- كيف تحمي ملكك و وطنك و أنت شارد الذهن . .
ألتفت و تابع حديثه أقصد صراخه علينا و كأنه لم يسبب لي ألماً و كاد أن يخلع كتفي . .
أنصتُ إلى همسة جابر . .
- تحمل . . أني أرى الصبح قريب . .
أي صبح يتحدث عنه بحق الله . !
آخر ما سمعته و كاد أن يموت منه قلبي خوفاً . .
- غداً سيكون يومكم الحقيقي . . ستدافعون عن وطنكم . . عبر الحدود . .
ألجمتني الفاجعة عن التذمر أكثر . . أسأكون بوجه المدفع و أحاول قذف الرصاصات بمسدسي . .
و قد يكون أحد الذين أقتلهم عائلة خالي الذي فرقت بيننا الحدود و منعتنا من الاتصال ببعضنا . !

.

.

ركبنا الشاحنات و بنادقنا تسترخي بجانبنا . .
كانت تلك الوجوه في ذلك اليوم عليها غبرة ترهقها قترة . .
تودع بعينيها الممتلئة بالدمع من يحبونهم . .
يحاولون استحضار وجوههم الواحد تلو الأخر ليودعهم بقلوبهم دون أن يلتقوا . .
سارت دمعة على خدي دون إحساسي بها ،
حينما تذكرت والدتي و والدي الذي فقد قدمه بسبب تلك الحرب الماضية المشئومة . .
نزلنا إلى تلك المخيمات التي تبدو في مكان ما قرب الحدود . .
و أخذ يخبط فينا خطيب يحدثنا عن هدفنا السامي و ما يجب أن نفعله . .

|||

فُتح الباب بهدوء . .
تقدمت إلى مدخل الغرفة و هي ترمي بصرها حولها بينما يدها متعلقة بأكرة الباب . .
أحاطت بعينيها الممتلئتان بالدموع المحتبسة على سريره إلى حاسوبه و إلى خزانة ملابسه ،
ثم إلى مكتبه . .
أغلقت الباب خلفها توجهت إلى مكتبه وهي تجر خطاها خطوة تلو الخطوة . .
تلمست صورتهما الباسمة السعيدة . .
تأرجحت دمعة بين رموشها ثم سقطت على خدها . .
عادت بها إلى ذلك اليوم . ،
حينما كان في بداية التزامه و عودته إلى رشده و تركه لأصحاب السوء . .
كان ذلك الانقلاب هو سبب سعادة العائلة . .
فبعد أن كان شخصاً فاسقاً و بذيئاً لا يقدر أحداً و يبخس الأشياء حقها . .
هداه الله إلى صراطه المستقيم فاستقام و استقامت حياته و أصبح من رواد المساجد . .
لا تنسى ذلك اليوم الذي أتى فيه وهو يقبل إلى الصلاة و يتوضأ مع أخوها هادي . .
كان ذلك الشيء شيء يستحق أن يحتفل به . .
ابتسمت بألم . . وهي تذكر ما حدث ذلك اليوم . .
بعد أن سافر هادي لإكمال دراسته ،
تبدل اعتدال سعد شيئاً فشيئا إلى غلو في الدين و التشكيك فيها و في أي حركة تقوم بها . .
فُتح الباب بغتةً خلفها ليعرق سيل أفكارها الجارف ، رأت منيرة تتسلل إلى الحجرة بخفة . .
استدارت رهام إليها و توقف بصرها يحدق فيها . .
انتبهت منيرة إلى رهام المستندة بظهرها إلى مكتب أخيها ،
تحدق بها بنظرة باردة و مازالت آثار الدمعة محفورة على خدها . .
ارتبكت منيرة و قالت . :
- آ . . آ .. أوه أنتِ هنا . !
أغلقت فمها لبرهة و هي تحاول أن تبحث عن كلمة مناسبة . ،
ثم تابعت حديثها بعد أن رأت صمتها . :
- كنت أبحث عنكِ . .
و أضافت باضطراب . :
- و وجدتكِ هنا . .
جلست منيرة على سرير سعد و قالت . :
- ماذا تفعلين هنا . ؟
عادت رهام إلى وضعيتها السابقة و بقت تحدق في الصورة . .
اقتربت منيرة من رهام حتى أصبحت خلفها . .
- لم يكن هكذا قبل سفر هادي . . لم يكن يرضى منعي من حقوقي و يشدد عليّ . .
تفاجئت منيرة من انفجار نبع دموع رهام التي تابعت الحديث من قلبها المفطور . :
- كان أخ حكيم . . ينصحني باللين . . و يعينني و يساعدني فيما يستطيع القدرة عليه . .
كيف آلت علاقتنا إلى هذا التعقيد . !
أن أتناقش و أتشاجر معه كل يوم عن أبسط حقوقي ،
أن يكون خروجي و حديثي مع صديقاتي و زيارتي لهن بأجمعها مشكوك فيها . !
بكت و بكت بمرارة بينما منيرة تشاهد دموعها بوجه جامد و عينان جاحظتان . .
تساءلت منيرة في داخلها . . أكان لها قلب . ! و تحب أخوها . !
و كان له قلب ليساعدها و لم يكن يصرخ عليها . !
- بعد أن سافر أخي هادي . . تعرف سعد على شاب كان فاجراً و أحقر منه بكثير سابقاً . . أخبره ذلك الشاب عن قصة استدراجه لإحدى الفتيات المتدينات و كيف أوقعها في حباله * . . و كم كان نادماً على ذلك . . و لا أعرف ما الذي حدث لـ سعد بعد تلك الحادثة . . تلاشت ثقته بي و أصبح يتتبع كل ما أقوم به . . و لا يحادثني إذا شك في شيء ما . !
كفكفت رهام دموعها ثم غادرت الحجرة بقلب مكلوم . .
حينها التقطت منيرة أنفاسها . . و قالت . :
- ما بها اليوم . . تبدو غريبة . !
ثم أخرجت صورة ما خبأتها بين ثيابها . .

|||

فتحتُ باب السيارة ثم أرحت الأكياس على مقعد المجانب لي . .
جلستُ على مقعد السائق و قدمي مسترخية خارج السيارة . .
ترى هل أتصل بها . ؟
أم . .
ألقيت نظره على المكتبة . .
ربما من الأفضل أن أذهب و أرى أن كانت ستعود معي أم لا . ؟
ترجلت من السيارة و سحبت المفتاح ثم قمت بإغلاقها . .
سرت إلى بوابة المكتبة . .
خرج منها شخص ما . . يحمل معه خرائط ما و أكياس مملوءة بالكتب . .
ابتعدت عيناي عنه . .
فعار عليه أن يكون مرتاحاً هنا بينما هناك من يبذل دمائه لأجل هذا الشعب و الوطن . .
أحقاً هناك أشخاص مثله . !
ولجت إلى المكتبة . .
رأيت ريناد و شخص ما يتحادثان بينما انتبهت إليّ بسمة و أشارت لي بأن أعود
إلى السيارة . .
عدت إلى السيارة و أدرت المحرك و أنا أضغط على الاتصال بـ بسمة . .
لأسألها أن كانت تريد أن تعود معي أم لا . .
- السلام عليكم . .
- و عليكم السلام . .
- أتحتاجين إلى توصيلة . ؟
- لحظة . .
تركتني على الخط لدقائق ثم عادت و قالت . :
- أظن ذلك . . انتظري عدت دقائق و سآتي مع ريناد . .
خرجتا من المكتبة . .
ابتسمت بسعادة و أنا أشاهد ريناد المجنونة تقفز هنا و هناك ،
ممسكة بيد بسمة ذات الشفاه المنفرجة بسعادة و بهجة . .
حدقت في ريناد الحيوية . .
ربما لا تدري ريناد بأن بسمة لم يغمض جفن ليلة الأمس قلقاً و خوفاً على أختها الوحيدة . .
ركبت بسمة بجانبي بينما ركبت ريناد و هي تتذمر بشكل طفولي صانعةً على شفتي ابتسامة . :
- هذا هو نصيبي . . أن أجلس بالخلف دائماً . . هاه . !
سرت بالسيارة و هي تتابع تذمرها اللانهائي. .
و أنا أحاول كتم ضحكتي بصعوبة ،
بابتسامة واسعة تكاد تفصح عن الضحكة المتوارية خلفها . .
فقالت بغضب . :
- أضحكي . . أضحكي . . فلست من جابهاً صرصاراً لوحده . .
ضحكت بسمة وقالت بعد أن هدئت قليلاً . :
- لم تخبريني بعد عما حصل معكِ . . أيتها المجنونة . .
ارتمت ريناد على الكرسي وهي تتثاءب و تقول . :
- إنها قصة طويلة سأحكيها لكِ بعد أن ارتاح . .
بدت لي طريقتها في الحديث هي تهرب لا غير ،
لكني لم أعر ذلك اهتماماً كبيراً . .
سألت بسمة . :
- هل أخبرتي عبدالله بأنكِ ستبيتين عندي الليلة . ؟
أومأت برأسها بـ نعم . .
هبت ريناد قائمة من استرخائها . .
- أسنبيت عندهم ؟؟ .. لم . ؟
ردت بسمة . :
- ستسافر هديل غداً بعد خروجها من الجامعة إلى المدينة المجاورة . .
لذا سآتي لمساعدتها في تحميل الأغراض اللازمة . .
تقدمت و حشرت نفسها بين كرسيينا و قالت موجهةً السؤال إليّ . :
- و لم ستذهبين . ؟
قلت لها بصراحة مطلقة . :
- لأن الأوضاع هنا غير آمنة ، و أختي قاربت على الوضع . .
كما أنني سأذهب إلى الجامعة لإيقاف دراستي مؤقتاً . .
أومأت بالتفهم . .
و انطلقنا لجمع ما يلزمني للسفر غداً . .

.

.

- ما رأيكِ بهذا . ؟
أومأت بـ لا لـ ريناد فبدا الضجر على وجهها . .
أخذت تنظر إلى الورقة التي بين يديها بعجز . و قالت . :
- أعرف بأني من اقترح مساعدتك . . لكن . .
أخذت تعبث بشعرها بيدها ، بشفتين حائرتين . . ثم قالت . :
- ما رأيكِ أن نتبادل . ؟
- نتبادل . ؟ !
أومأت برأسها بمرح و هي تقول . :
- نعم نتبادل المهام . . أنت تمسكين بورقة الأطعمة و أنا آخذ ورقة المستلزمات الصحية . .
ما رأيك . ؟
فكرت بالأمر للحظة و كان يبدو جيداً . .
تبادلنا الأوراق ثم انطلقت ريناد إلى القسم بروح نشطة . .
بحثت بين الممرات عن قسم الأطعمة المعلبة . .
رأيت بسمة في أحد الممرات فاتجهت إليها . .
- السلام عليكم . .
وضعتْ كيس الأرز داخل السلة . . ثم قالت . :
- و عليكم السلام . .
- أنا . .
و ما أن رأت معاني الأسف تنبع في وجهي حتى قاطعتني و قالت . :
- لا بأس . . أنا من عرض مساعدتي عليك ، أما عن ريناد فيسعدها أن تبات معي الليلة و في أي مكان كان ، كما أن محل سكني تقام فيه إصلاحات كما أخبرتك . . نحن من سيثقل كاهلك و سيزاحمكِ في منزلك . .
- لكن . .
قالت بلطف . :
- بلا لكن . . تفضلي و أكملي عملك . . فقد أشغلتني عن عملي . .
و دفعت العربة خارج الممر . .
.
.
ما أن انتهينا من جمع ما يلزمنا انطلقنا بالسيارة إلى المنزل . .
أدخلت السيارة إلى داخل المنزل . .
ترجلنا من السيارة ، فتحتُ الباب الداخلي و تبعتني بسمة بهدوء و ريناد بفضول طفولي . .
قلت بابتسامة . :
- تفضلا . .
تقدمت و تفاجئت بالفوضى المحرجة التي تعج بالمكان . .
المكان غير مرتب بتاتاً و أحمد مرتمي على الأريكة يلعب بالـ ( بلاي ستيشن ) بينما محمد نائم في حضن خالتي بشكله البائس و القطن الملفوف حول أذنه . .
سمعت صوت هناء تنادي . :
- حكيم . ! حكييييييم . ! توقف . . !!
دخل حكيم الصغير العاري يركض إليّ وهو يضحك هارباً من هناء التي تلاحقه بثيابه
لتلبسه إياها . .
آه هذا محرج جداً . !
بهتت هناء عندما رأتهما ثم حملت حكيم و جرت به إلى الداخل . .
استدرتُ إليهما و رأيت ابتسامتان مرتسمتان على شفتهم . . حاولت تدارك الموقف بابتسامة واثقة . :
- كما ترون عائلة عادية . . و تحصل في أحسن العائلات . .
ضحكت ريناد و قالت . :
- كل أطفال العالم يفعلون ذلك أيضاً . .
انتبهت خالتي إليهما فوضعت محمد بحذر على الأريكة . . و غطته . .
اتجهت إلينا بملابسها البسيطة ثم ألقت الابتسام و السلام عليهما . .

|||

استيقظت بعينين مغلقتين لم أستطيع فتحهما . .
استسلمت من محاولة فتحهما و أخذت أبحث عن المغسلة لأغسل وجهي . .
تسلل إلى أذني صوت طنين طائرات و متفجرات و صفارات إنذار الحرب ترن بصوت عالٍ جداً . .
رميتُ الماء على وجهي ثم فتحت عيني ببطء . .
و قلت بضجر و صوتي يشوبه النعاس . :
- ألم يسأم من هذه الأفلام . !
جررت قدمي حتى أخرج إلى الصالة لأخفض من صوت التلفاز قليلاً . !
و ما أن ظهرت حتى بغت برؤية التلفاز مغلقاً و الأثاث مبعثر بينما تركي يبحث كالمجنون بينها ..
سألته بعينين ناعستين . :
- ماذا هناك . . ما بك . ؟
سار بسرعةً إليّ بوجه ثائر و هو يرتدي حقيبة على ظهره . .
نظرت إلى الساعة فوجدتها العاشرة صباحاً . .
لم يخرج أحد من عمله بعد . .
أوه . .
لقد استيقظت مبكراً بسبب هذا الغبي . !
أحسست بقبضته القوية توقظني من نعاسي وهو يصرخ بوجهي . :
- أخيراً استيقظت . . ما الذي تفعله . !
و عندما رأى عدم درايتي بالموضوع قال وهو يصرخ . :
- ألا تسمع . !
غادر و أخذ يكمل بحثه المجهول . .
حاولت الإصغاء بإذني لكني لم أجد شيئاً غريباً . !
سألته و أنا أتكئ إلى الحائط . .
- ما الذي تبحث عنه . ؟
لم يرد علي بل أخذ يفتح و يغلق كل شيء يراه أمامه بغضب . .
ثم فجأةً فقد صوابه و رمى التحفة التي بيده فتكسرت و تحطمت إلى أشلاء صغيرة . .
دوى صوته في المكان وهو يقول . :
- اذهب و ارتدي ملابسك و حذائك . !
ذهبت إلى الحجرة و بحثت عن ملابسي ثم بدلتها . .
ما أن انتهيت حتى اتجهت إلى الستارة . .
و فتحتها . .
صعقت ، كادت أن تخرج عيناي عن محجريهما و يتوقف قلبي عن النبض . .
كان الدخان يحيط بالمكان و الطائرات تقصف كل ما تمر به . !
أصمت أصوات التفجيرات التي تعلو و تعلو و أزكمت رائحة الدخان أنفي . .
لاح ببالي صورة بسمة و ريناد و هما مرعوبتين أو مصابتين . !
هرعت إلى تركي . . و قلت و أنا أجري بسرعة مغادراً . :
- أنا ذاهب . .
لحق بي و قال . :
- إلى أين . ؟ كيف ستذهب و سيارتي في الصيانة . !
جريت بسرعة إلى الدراجة النارية و ارتديت الخوذة ثم أخرجت المفتاح من جيبي و أدرت المحرك . .
- انتظر لحظة . . سأجلب شيئاً . .
صرخ بي تركي ثم ذهب مسرعاً . .
ذهب و قشع كل خريطة كانت في حجرته و أخرج الأسلحة من مخبأها ثم حشرها في حقيبته و أسرع إليّ . .
ركب الدراجة النارية و ارتدا الخوذة بسرعة و تمسك بي بشدة حتى لا يقع . .
خرجنا إلى الشوارع و انطلقت إلى منزل صديقة بسمة و أنا أحاول تذكر موقعه . .
- إلى أين أنت ذاهب ألن نخرج من هنا . !
ربما كنت أصم ذلك الوقت أو تجاهلته لم يكن أحد اهتماماتي ما يقوله . .
فطنين الطائرات و أصوات ضرب الصواريخ . . و البيوت المتفجرة و الدخان المنبعث من كل مكان حتى غطى على نور الشمس . . كفيلةٌ بإفقادي صوابي . !
توقفت فجأة أمام منزلٍ قد وقعت عليه غارة . .
ملتف بالسواد . . و سيارة تحترق بداخل المنزل خلف الجدار المنهار . .
و آثار قطرات دموية على زجاج السيارة المحترقة . .
ما الذي حدث . !

قصة سنلتقي بعد دهر ...4

أضف في موقعك:
قصص مشابهه :
 فتاة خجوالة من خطيبها موقف محرج فتاة خجوالة من خطيبها موقف محرج
[color]****موقف محرج مع خطيبها**** فتاة من النوعية الخجولة لأبعد درجة ... ...
(مرات المشاهدة: 295 مرات)
أعيــاد بلا فرحـة ...2 أعيــاد بلا فرحـة ...2
الجــــــــــــزء الثــــــــــــاني .. توجه وراء الضابط باستسلام .....
(مرات المشاهدة: 127 مرات)
ضجيج المقابر ضجيج المقابر
صمت يجلله صمت، ورهبة تجلل برهبة، ووحشة تجلل بوحشة، ومجهول يغوص بالمجهول، وغمو...
(مرات المشاهدة: 197 مرات)
دنيتيـ وهيـ دنيتيـ منيـ اكتفتـ ... 3 دنيتيـ وهيـ دنيتيـ منيـ اكتفتـ ... 3
الجزء الثالث يوم الاربعاء الصباح ام علي وجود في المطبخ جود تسولف مع خ...
(مرات المشاهدة: 122 مرات)
من مجموعة اعترافات امرأة دافئة من مجموعة اعترافات امرأة دافئة
رحيل قبل أن يقفل باب منزله كتب لها بطاقة تبتسم إلى الله تركها معلقة على الجدا...
(مرات المشاهدة: 168 مرات)
موظف من زمن العولمة موظف من زمن العولمة
أقدم كما العريس في بذلة سوداء وقميص أبيض ورابطة عنق حمراء تراقصها الرياح.. يت...
(مرات المشاهدة: 121 مرات)
زوج أحذية وجورب واحد زوج أحذية وجورب واحد
كما كل صباح أقف أمام بناية "آفاركو" وعلي شارع جمال عبد الناصر أمسح عربتي وأنت...
(مرات المشاهدة: 112 مرات)
  إش ممكن تكون هذي الهدية.. إش ممكن تكون هذي الهدية..
بسم الله الرحمن الرحيم أنا غدير وسأحكي لكم اليوم قصة حصلت لي أمس . أني ...
(مرات المشاهدة: 242 مرات)
يا طيب القلب حكم قلبك الطيب ...2 يا طيب القلب حكم قلبك الطيب ...2
الجزء الثاني سهيل واليازية وهم داخلين البيت : السلام عليكم ام اليازية و...
(مرات المشاهدة: 363 مرات)
عندما اشتعلت نوّار عندما اشتعلت نوّار
هي خفيفة الدم، عيونها جريئة. صمت ورحل بعيداً، وعندما صحا حدث رفيقه عنها طو...
(مرات المشاهدة: 82 مرات)
fot
جميع الحقوق محفوظة :Copyright © All rights reserved